ابن كثير

178

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية « 1 » ، وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة ، هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » ، وقال محمد بن كعب القرظي : مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية ، وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ فقال : أبي بن كعب ، فقال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه ، فلما جاءه قال عمر أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟ قال : نعم . قال : وسمعتها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : نعم . قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ، فقال أبي تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الجمعة : 3 ] وفي سورة الحشر وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [ الحشر : 10 ] الآية ، وفي الأنفال وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ [ الأنفال : 75 ] الآية ، ورواه ابن جرير « 3 » . قال : وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع الأنصار عطفا على والسابقون الأولون ، فقد أخبر اللّه العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم ، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي اللّه عنه ، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم . عياذا باللّه من ذلك . وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي اللّه عنهم ؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي اللّه عنه ويسبون من سبه اللّه ورسوله ، ويوالون من يوالي اللّه ويعادون من يعادي اللّه وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدئون ، ولهذا هم حزب اللّه المفلحون وعباده المؤمنون . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 101 ] وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ( 101 ) يخبر تعالى رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقون ، وفي أهل المدينة أيضا منافقون مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي مرنوا واستمروا عليه ، ومنه يقال شيطان مريد ، ومارد ويقال تمرد فلان على اللّه أي عتا وتجبر ، وقوله : لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ لا ينافي قوله تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 453 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 454 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 455 .